يُلازم شبح النهايات القاسية فريق أتلتيكو مدريد الإسباني الأول لكرة القدم كلما وقف على أعتاب المجد في دوري أبطال أوروبا، تاركًا جماهيره رهينة حسرةٍ متجددةٍ وأحلامٍ مؤجَّلةٍ.
21 نسخةً خاضها الفريق المدريدي من الكأس الأوروبية الأمجد بمسمَّييها الحالي والسابق، واستطاع بلوغ نصف النهائي، على الأقل، في ستٍّ منها، بنسبةٍ تقارب الثلث.
ومع خوضه، الثلاثاء، إياب نصف النهائي على ملعب أرسنال الإنجليزي، تقرع الأذهان ذكريات انكساراته الدائمة في الأمتار الأخيرة من البطولة القارية.
ودنا الفريق من الحلم للمرة الأولى عام 1959. وقتها كانت البطولة تخضع، منذ استحداثها، لسيطرةٍ مُطلَقةٍ من القطب العاصمي الآخر، ريال مدريد.
وفي نصف نهائي البطولة، واجه أتلتيكو محتكر الكأس، وفاز الريال على ملعبه ذهابًا 2ـ1، وردَّ الجار إيابًا بـ 1ـ0، واحتكما إلى مباراةٍ فاصلةٍ، في وقت ما قبل ولادة قانون أفضلية الهدف خارج الملعب.
واستطاع ريال مدريد الفوز بالمباراة الفاصلة 2ـ1، وعَبَرَ إلى النهائي، رافضًا المساومة على حقه في التتويج للمرة الرابعة على التوالي.
وبعد 12 عامًا، عاد أتلتيكو مدريد إلى نصف النهائي من جديدٍ، وهذه المرة لم يواجه الريال، وإنما جيلًا ذهبيًّا لأياكس والكرة الهولندية بدأ نجمه يبزغ بقيادة رمزه ولاعبه الأبرز يوهان كرويف.
واستضاف فريق العاصمة الإسبانية مباراة الذهاب، وأنهاها فائزًا بهدفٍ. وإيابًا عوَّض أياكس تأخره سريعًا بعد مرور ثماني دقائق، وكان ذلك يعني لعب مباراةٍ فاصلةٍ، لكن الفريق الهولندي رفض حتى منح زائره هذه الفرصة، وصعقه بهدفين متأخرين في الدقيقتين 80 و85، وقطع تذكرة النهائي.
واحتاج أتلتيكو إلى ثلاثة أعوامٍ أخرى حتى يكسر عناد دور الأربعة، ويصل أخيرًا إلى نهائي البطولة للمرة الأولى في تاريخه.
وأصبح الفاصل بين الفريق وتوشُّح التاج الأوروبي إسقاط بايرن ميونيخ الألماني فقط في نهائي، احتضنه ملعب هيسيل «الملك بودوان حاليًّا» على أرض بروكسل، العاصمة البلجيكية، بتاريخ 15 مايو 1974.
وبعد 90 دقيقةً سلبيةً في النهائي، تمدَّدت المواجهة إلى شوطين إضافيين، انتهى أولهما أيضًا دون أهدافٍ.
وقبل نهاية الشوط الإضافي الثاني بست دقائق فقط أحرز لويس أراجونيس، لاعب وسط أتلتيكو، هدفًا في شباك سيب ماير، حارس مرمى بايرن، ليغدو الحلم على مرمى حجرٍ من الفريق الإسباني.
وبينما بدأ طيف الاحتفال الذي طال انتظاره يداعب مخيلة المدريديين، باغتهم بايرن بهدف تعادلٍ قاتلٍ، سجَّله المدافع هانز جورج شوارزينبيك في الدقيقة 120 فارضًا مباراة إعادةٍ.
وعلى الملعب ذاته جرت المباراة بعد سابقتها بيومين فقط، ولم يهدر فيها بايرن الفرصة المبعوثة له من الرماد، ودكَّ مرمى منافسه برباعيةٍ نظيفةٍ، ليقتنص اللقب للمرة الأولى أمام خصمه، الذي بدا وكأنَّه لم يستفق من صدمة الإعادة.
وشكَّلت تلك المباراة نهاية حقبةٍ بالنسبة إلى أتلتيكو على صعيد كأس أوروبا، إذ غاب بعدها عن ساحات البطولة طويلًا، ثم عاد على استحياءٍ دون ترك بصمةٍ مؤثِّرةٍ حتى نهض به مدربه الأرجنتيني دييجو سيميوني، ودفع به من جديدٍ إلى المباراة النهائية أمام الجار اللدود ريال مدريد عام 2014.
وفي النهائي، بادر فريق «الروخيبلانكوس» كعادته بالتسجيل. المدافع الأوروجوياني دييجو جودين وضعه في المقدمة قبل نهاية الشوط الأول بتسع دقائق مستغلًا خطأ إيكر كاسياس، حارس مرمى الريال.
واستطاع فريق سيميوني الحفاظ على تقدمه حتى دخلت المباراة الوقت بدل الضائع، وفي دقيقته الثالثة تكرَّر الكابوس المرعب.
ما كتبه شوارزينبيك عام 74 كان بمنزلة الفصل الأول، بينما الثاني دوَّنه، وللمفارقة، مدافعٌ آخرُ، هو سيرجيو راموس الذي تطاول برأسه لركنية لوكا مودريتش، وأسكن الكرة الشباك.
التاريخ يعيد نفسه. الصدمة ذاتها تتكرَّر بعد 40 عامًا، ولم يفق أتلتيكو أيضًا، وتلقَّى خلال الوقت الإضافي ثلاثة أهدافٍ، أعادت وصال الريال مع الأميرة الأوروبية بعد هجرانٍ دام 12 عامًا.
ولم تقف تداعيات تلك الخسارة عند حدود فقدان حلم تحقيق اللقب مجدَّدًا فقط، بل رسَّخت عقدةً لأتلتيكو من جاره في البطولة الأوروبية، لم يبرأ منها أبدًا.
وعندما عاد سيميوني ورجاله إلى النهائي في 2016، ضرب الريال موعدًا جديدًا معهم، في استنساخٍ لما حدث قبل عامين.
وحاول أتلتيكو قلب السيناريو المؤلم على منافسه عبر خطف هدف التعادل 1ـ1 في وقتٍ متأخرٍ نسبيًّا عن طريق الجناح البلجيكي يانيك كاراسكو، قبل نهاية اللقاء بـ 11 دقيقة. وظلت النتيجة عصيَّةً على التغيير خلال الشوطين الإضافيين، ليحتكم الطرفان إلى ركلات الترجيح.
ونجحت أول ثلاث محاولاتٍ لكل فريقٍ، وسجل راموس الرابعة للريال، فيما أهدرها خوان فران لأتلتيكو، ثم أسكن كريستيانو رونالدو الخامسة لـ «البلانكوس»، وذهب للاحتفال، تاركًا دموع القهر تغمر وجوه لاعبي المنافس وجماهيره.
وسرعان ما منحت البطولة لأتلتيكو فرصة الثأر خلال العام التالي ضمن الدور نصف النهائي، لكن شوكة «الأحمر والأبيض» كانت أضعف كثيرًا، وخسر الذهاب بثلاثية رونالدو، واكتفى بالفوز 2ـ1 في الإياب، مفسحًا الطريق أمام منافسه لإكمال المشوار نحو انتزاع نجمته الـ 12.