لم تكن ليلة السبت عادية لجماهير اتحاد جدة، فقد أعادت للأذهان لحظات السطوة الهجومية للنادي في أفضل مواسمه، فعلى أرض الملعب، لمع النجم الفرنسي كريم بنزيما بأداء لا يُنسى، بعدما قاد فريقه لعبور عقبة الشباب بنتيجة (4-1).
وسجل بنزيما هاتريك أعاد رسم ملامح الفريق ورفع سقف طموحات الجماهير قبل الدخول في الأدوار الحاسمة من بطولة كأس خادم الحرمين الشريفين.
الاتحاد لم يفز فقط، بل وجّه رسالة قوية مفادها أن الفريق لا يزال قادرًا على المنافسة وأن نجمه الفرنسي يستطيع قلب الموازين في أي لحظة.
بنزيما يعيد اكتشاف نفسه ويرد على المشككين
دخل بنزيما المباراة وهو يجر خلفه الكثير من علامات الاستفهام، فالفترة الماضية لم تكن مثالية للنجم الفرنسي، حيث تعرّض لبعض الانتقادات، وبدأ البعض يشكك في قدرته على تقديم إضافة كبيرة للاتحاد كما كان متوقعًا عند قدومه من ريال مدريد.
لكن اللاعب الذي اعتاد صناعة التاريخ طوال 14 عامًا بقميص النادي الملكي، أثبت مرة أخرى أن الهداف الحقيقي يرد دائمًا داخل الملعب وليس خارجه.
ومع صافرة البداية، بدا واضحًا أن بنزيما في حالة تركيز غير عادية. تحركاته كانت أكثر حيوية، لمساته أكثر دقة، وحضوره الهجومي أكثر تأثيرًا. ومع وصول الدقيقة 30، انفجر الفرنسي بأول أهدافه من تسديدة محكمة داخل منطقة الجزاء، ليعلن بداية أمسية خاصة جدًا.
ومع استمرار الضغط الاتحادي، عاد بنزيما ليضيف هدفين متتاليين في الدقيقتين 84 و86، مستغلًا حالة الانهيار الفني لدى الشباب ومترجمًا كل فرصة أتيحت له بأعلى درجات الهدوء والخبرة.
بنزيما يكتب التاريخ
الهاتريك الجديد لبنزيما لم يكن مجرد تألق عابر، بل كان فصلًا جديدًا يُكتب في سجل مسيرته مع الاتحاد، فالمهاجم الفرنسي الذي جاء إلى جدة محمّلًا بتاريخ ذهبي مع ريال مدريد، رفع رصيده إلى 52 هدفًا بقميص الاتحاد في مختلف المسابقات، متجاوزًا حاجز الخمسين هدفًا الذي ظل لفترة طويلة محطة منتظرة من الجماهير.
وسجل بنزيما 34 هدفًا في دوري روشن، 9 في كأس الملك، 3 في دوري النخبة الآسيوي، 3 في البطولة العربية، هدفان في كأس العالم للأندية، وهدف في كأس السوبر السعودي.
هذا التنوع في سجله التهديفي يعكس لاعبًا لا يختفي في المناسبات الكبرى ولا يتراجع أمام الضغوط، بل يتعامل معها بثقة لاعب خبر الملاعب الأوروبية لأكثر من عقد.
الهاتريك كان الرابع له بقميص الاتحاد، بعد ثلاثياته السابقة أمام أبها والوحدة والأخدود في الدوري، ما يعزز مكانته كواحد من أخطر المهاجمين الذين لعبوا في الكرة السعودية الحديثة.
تأثير بنزيما يتجاوز الأهداف
لم يكن أثر بنزيما مقتصرًا على الأهداف الثلاثة فقط، بل امتد إلى الحالة الذهنية للفريق بأكمله. فمع كل هدف يسجله، كان الملعب يشتعل والجماهير تستعيد ثقتها، واللاعبون حوله يزدادون حماسًا. هذا التأثير النفسي هو ما كان يفتقده الاتحاد في بعض الفترات، حيث بدا الفريق تائهًا في عدة مباريات سابقة.
وقدم بنزيما أمام الشباب أداء القائد الحقيقي بكل تفاصيله، حيث كان يتحرك في الملعب بوعي كامل، يوجّه زملاءه، ويعود إلى وسط الملعب للمساهمة في بناء الهجماتن كما كان يضغط على دفاع الخصم باحترافية، ويستغل تحركاته لفتح المساحات أمام زملائه، ما أشعل الروح القتالية في المجموعة كلها.
وحتى اللاعبون الذين تأثر أداؤهم مؤخرًا بدا واضحًا أنهم استفادوا من حضوره، وظهروا بصورة أفضل على أرض الملعب، وكأن وجوده في أفضل حالاته منحهم دفعة معنوية ورفع من مستوى الفريق بشكل عام.
هذا النوع من اللاعبين، الذي يجمع بين المهارة والخبرة والحضور النفسي، يترك أثرًا لا يقتصر على تسجيل الأهداف فقط، بل يمتد ليشمل كل من حوله، ليجعل الفريق أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة أصعب المواقف.
الاتحاد يستعيد هويته ويبدأ صفحة جديدة
فوز الاتحاد على الشباب برباعية كان أكثر من مجرد عبور إلى نصف النهائي، بل كان إشارة على أن الفريق قادر على استعادة هويته بعد فترة طويلة من التذبذب. الأداء الفني بدا أكثر تماسكًا، الدفاع أكثر تنظيمًا، والهجوم أكثر جرأة.
ومع تألق بنزيما، وعودة الثقة تدريجيًا إلى اللاعبين، بدأ الفريق يظهر بشكل يعكس جودة العناصر المتاحة لديه.
الجماهير التي عانت من الإحباط في الأسابيع الماضية، عادت لتصدق أن الفريق قادر على الذهاب بعيدًا في كأس الملك وربما المنافسة بقوة في بقية الموسم.
وبالنسبة لبنزيما، فقد كانت ليلة السبت رسالة واضحة: الفرنسي لم يأتِ إلى الاتحاد لينهي مسيرته، بل ليصنع تاريخًا جديدًا، وربما يقود الفريق إلى ألقاب طال انتظارها.