قبل 67 عامًا، وتحديدًا في اليوم، الذي توج فيه بيليه بطلًا في نهائي كأس العالم 1958 بستوكهولم، وُلد في مستشفى باكنانج طفل آخر اسمه رالف، في 29 يونيو 1958، وكأن الكرة أرادت أن تُنجب في اليوم ذاته طفلًا مختلفًا من صنف آخر، لا يلعبها بقدميه، بل يُفكر فيها برأسه.
ترعرع رالف رانجنيك في مدينة باكنانج بولاية بادن فورتمبرج الألمانية، على بُعد 30 كيلومترًا شمال شرقي شتوتجارت، وهي مدينة صغيرة لا يعرفها الكثيرون، لكنها أنجبت أحد أكثر العقول تأثيرًا في تاريخ كرة القدم الحديثة، وعندما كان في السادسة من عمره، أشركه والده في فريق فيكتوريا باكنانج للناشئين، لا لأنه كان أفضل لاعب، بل لأنه كان يُوزع اللاعبين في مجموعات ويُعطيهم أوامره وهو دون العاشرة.
بعد حصوله على الثانوية من مدرسة ماكس بورن في باكنانج، التحق رانجنيك عام 1977 بجامعة شتوتجارت لدراسة التربية البدنية واللغة الإنجليزية، وفي الوقت ذاته بدأ يلعب مع أمراء فيرين شتوتجارت، ثم أمضى عامًا دراسيًا في إنجلترا حين لعب مع نادي ساوثويك في ويست ساسكس خلال موسم 1979ـ1980، وهناك تذوّق قسوة الكرة الإنجليزية حين كُسرت ثلاثة من أضلاعه في إحدى المباريات.
لم يكن رانجنيك لاعبًا استثنائيًا، لكنه كان مدربًا بالفطرة، وفي 1984 نال رخصة التدريب من كلية الرياضة في كولونيا بمعدل 1.2 وكان الأول على دفعته، وفي العام نفسه شهد لحظة غيّرت مساره للأبد، حين تفرّج على تدريبات دينامو كييف بقيادة فاليري لوبانوفسكي، ورأى للمرة الأولى فريقًا يضغط بشكل منظم لا عشوائي، فكانت تلك اللحظة شرارة فلسفته التدريبية.
أدار رانجنيك بصره بين لوبانوفسكي وأريجو ساكي وإرنست هابل، وجمع من كل واحد منهم ما يُكمل به فكرته، ومن رفيقه هيلموت جروس طوّر ما صار يُعرف بـ«الجيجنبريسينج»، أي الضغط المضاد فور فقدان الكرة، وفي 1998 عرض هذه الفلسفة للمرة الأولى على شاشة التلفزيون الألماني بنظارته ذات الإطار الشفاف وبدلته السوداء، فلقّبه الإعلام بـ«أستاذ كرة القدم» ساخرين، قبل أن يتحول اللقب إلى احترام.
أخذ رانجنيك نادي هوفنهايم من الدرجة الثالثة إلى الدوري الألماني خلال موسمين، وفاز بكأس ألمانيا مع شالكة 0ـ4 عام 2011، ثم توسّعت بصمته حين أشرف على بناء أكاديميتي رد بول في سالزبورج ولايبزيج، وجلب لاعبين من أمثال ساديو ماني وكيفن كامبل، وقبل النمسا مر بمانشستر يونايتد مديرًا مؤقتًا.
في مايو 2022 تسلّم مفاتيح المنتخب النمساوي، الذي غاب عن كأس العالم منذ 1998، وأعاده في رحلة تأهل مميزة حتى تصدر المجموعة، وسجّل فوزًا تاريخيًا على سان مارينو بعشرة أهداف مقابل لا شيء.
اليوم، على أرضية ملعب ليفايز ستاديوم في سان فرانسيسكو، فازت النمسا على الأردن 3ـ1 بافتتاح مجموعتها بكأس العالم، في أول انتصار لها بالمونديال منذ 36 عامًا، ليُسدل رانجنيك الستار على 36 عامًا من الصمت النمساوي في المونديال.