الخصم الذي أجبر كريستيانو على الانتظار 14 عامًا
عندما تُذكر المواجهات الكبرى في كرة القدم العالمية، تحضر مباريات البرتغال وإسبانيا بوصفها واحدة من أكثر الصدامات إثارة، لكن بالنسبة لكريستيانو رونالدو، تحمل هذه المواجهات طابعًا مختلفًا تمامًا. فهي ليست مجرد مباريات أمام الغريم الإيبيري، بل رحلة طويلة امتزجت فيها لحظات المجد بالإحباط، والإنجازات التاريخية بالإقصاءات المؤلمة.
وعلى الرغم من أن قائد المنتخب البرتغالي يُعد الهداف التاريخي لكرة القدم الدولية، فإن إسبانيا بقيت واحدة من أصعب المنتخبات التي واجهها طوال مسيرته، إذ احتاج إلى 14 عامًا حتى يهز شباكها لأول مرة، قبل أن يحول ليلة سوتشي إلى واحدة من أكثر لياليه خلودًا في كأس العالم.
والآن، يعود رونالدو لمواجهة “لا روخا” مرة أخرى، عندما يقود البرتغال في صدام مرتقب ضمن دور الـ16 من كأس العالم 2026 بمدينة دالاس، ساعيًا إلى قيادة منتخب بلاده نحو ربع النهائي وإضافة فصل جديد إلى واحدة من أكثر قصصه الكروية تعقيدًا.
سوتشي وميونخ هما المدينتان الوحيدتان اللتان تمكن فيهما كريستيانو رونالدو من التسجيل في شباك المنتخب الإسباني. وعلى الرغم من خوضه عشر مباريات أمام “لا روخا”، فإنه لم يسجل سوى 4 أهداف، جاءت جميعها في مباراتين فقط.
وكانت آخر مواجهة جمعت المنتخبين في نهائي دوري الأمم الأوروبية، عندما قاد رونالدو منتخب البرتغال إلى اللقب تحت قيادة المدرب روبرتو مارتينيز. وسجل قائد البرتغال أحد هدفي فريقه قبل أن يغادر مصابًا بإصابة عضلية، فيما حسم المنتخب البرتغالي اللقب بركلات الترجيح.
أما الذكرى الأكثر رسوخًا في ذاكرة الجماهير، فتعود إلى افتتاح مباريات المنتخبين في كأس العالم 2018 بمدينة سوتشي الروسية، عندما انتهت المباراة بالتعادل (3-3)، بعدما وقع رونالدو على ثلاثية تاريخية، تُعد الوحيدة له في نهائيات كأس العالم.
وتحدث سيدريك سواريس، الظهير الأيمن السابق للمنتخب البرتغالي، عن تلك الليلة في تصريحات لصحيفة “ماركا“، قائلًا: “كان كريستيانو مذهلًا. سجل ثلاثة أهداف وأثبت مرة أخرى أنه يقدم أفضل مستوياته في المباريات الكبرى. بعض العروض يصعب تفسيرها. تتساءل فقط: كيف يمكن أن يحدث هذا؟ ما زلت أتذكر الركلة الحرة الأخيرة، لأنني كنت خلف المرمى ورأيتها بوضوح. لقد كان أمرًا استثنائيًا”.
البداية من يورو 2004
لكن قصة رونالدو مع إسبانيا بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة. ففي بطولة أمم أوروبا 2004، خاض النجم البرتغالي أول بطولة كبرى في مسيرته، وكانت أولى مبارياته أمام المنتخب الإسباني.
ورغم أنه لم يسجل، فإن هدف نونو جوميز منح البرتغال الفوز بهدف دون رد، ليودع المنتخب الإسباني البطولة مبكرًا، بينما واصل أصحاب الأرض مشوارهم حتى المباراة النهائية، قبل أن يخسروا اللقب أمام اليونان في واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ البطولة.
سنوات من الإحباط
بعد ذلك، انتظر رونالدو ست سنوات كاملة حتى يواجه إسبانيا مجددًا، لتبدأ سلسلة من الذكريات المؤلمة.
ففي كأس العالم 2010، ودع المنتخب البرتغالي البطولة بعد خسارته بهدف دون رد أمام إسبانيا، التي واصلت طريقها نحو التتويج بأول لقب عالمي في تاريخها.
وبعد عامين، تجدد اللقاء في نصف نهائي بطولة أمم أوروبا 2012، وانتهى الوقتان الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي، قبل أن تحسم إسبانيا بطاقة التأهل عبر ركلات الترجيح، في طريقها لإحراز لقبها الأوروبي الثاني تواليًا.
وكان القاسم المشترك بين المواجهتين أن رونالدو خرج منهما دون أن ينجح في هز شباك المنتخب الإسباني.
سجل كريستيانو رونالدو أمام إسبانيا
– يورو 2004: البرتغال 1-0 إسبانيا — لم يسجل.
– كأس العالم 2010: إسبانيا 1-0 البرتغال — لم يسجل.
– مباراة ودية 2010: البرتغال 4-0 إسبانيا — لم يسجل.
– يورو 2012 (نصف النهائي): البرتغال 0-0 إسبانيا (فازت إسبانيا بركلات الترجيح) — لم يسجل.
– كأس العالم 2018: البرتغال 3-3 إسبانيا — سجل ثلاثة أهداف.
– مباراة ودية 2020: البرتغال 0-0 إسبانيا — لم يسجل.
– مباراة ودية 2021: إسبانيا 0-0 البرتغال — لم يسجل.
– دوري الأمم الأوروبية 2022: إسبانيا 1-1 البرتغال — لم يسجل.
– دوري الأمم الأوروبية 2022: البرتغال 0-1 إسبانيا — لم يسجل.
– نهائي دوري الأمم الأوروبية 2025: البرتغال 2-2 إسبانيا (فازت البرتغال بركلات الترجيح) — سجل هدفًا.
انتظار دام 14 عامًا
بعيدًا عن ثلاثية سوتشي وهدف ميونخ، فإن أرقام رونالدو أمام إسبانيا تكشف مدى صعوبة هذا المنافس بالنسبة له.
فالهداف التاريخي للمنتخبات الوطنية، الذي يواصل مطاردة حلم الوصول إلى 1000 هدف رسمي في مسيرته، اضطر إلى الانتظار 14 عامًا كاملة منذ أول مواجهة بينهما عام 2004 وحتى كأس العالم 2018، ليسجل هدفه الأول في شباك “لا روخا”، وذلك في مباراته الخامسة أمام المنتخب الإسباني.
ورغم ذلك، تبقى ثلاثيته في مونديال روسيا إحدى أبرز المحطات في مسيرته الدولية، إذ تمثل واحدة من عشر ثلاثيات سجلها بقميص البرتغال، والوحيدة في تاريخ مشاركاته بكأس العالم.
كما أن أهدافه الأربعة في مرمى إسبانيا جعلت المنتخب الإسباني من بين أكثر المنتخبات التي سجل في شباكها، بعد لوكسمبورج (11 هدفًا)، والمجر (9 أهداف)، وليتوانيا (7 أهداف)، والسويد (7 أهداف)، وأرمينيا (7 أهداف)، وأندورا (6 أهداف)، ولاتفيا (5 أهداف)، وسويسرا (5 أهداف).
علاقة خاصة بإسبانيا
ولا تقتصر خصوصية هذه المواجهات على الجانب الرياضي فقط، بل تمتد إلى حياة رونالدو الشخصية. فقد أكد قائد البرتغال قبل إحدى مواجهاته الأخيرة أمام إسبانيا أن علاقته بهذا البلد تتجاوز كرة القدم، قائلًا: “أكن محبة خاصة جدًا لإسبانيا. لدي فيها الكثير من الأشياء؛ أعمال تجارية، ومنزل، وأصدقاء، كما أن جزءًا من عائلتي من أصول إسبانية”.
كما أشاد بقوة المنتخب الإسباني، مضيفًا: “إسبانيا دائمًا مرشحة للفوز بأي بطولة. نظريًا هي المرشحة لأنها بطلة، لكن كل مباراة لها ظروفها الخاصة. أحب اللعب أمام إسبانيا لأن مواجهاتها دائمًا تكون رائعة.. لكن لدي شعور بأننا سنفوز”.
ومع اقتراب المواجهة الجديدة في كأس العالم 2026، ستكون الأنظار موجهة نحو كريستيانو رونالدو، الذي يسعى لإضافة صفحة جديدة إلى سجله الحافل، وكسر عقدة لازمته لسنوات أمام أحد أكثر المنافسين صعوبة في مسيرته، في مباراة قد تكون محطة أخرى خالدة في تاريخ “الدون” مع المنتخب البرتغالي.