بقميص فلامنجو.. القصة الخفية وراء انتصار ألمانيا الأسطوري على البرازيل

BySayed

مارس 19, 2026


كيف أصبح الزي المستوحى من فريق فلامنجو رمزاً للتواصل بين ألمانيا والبرازيل خلال كأس العالم 2014؟!

في صيف عام 2014، لم تكتفِ ألمانيا بغزو كأس العالم على أرض البرازيل، بل تركت خلفها أحد أقوى وأكثر رموز الوحدة غير المتوقعة في تاريخ كرة القدم. فبعيدًا عن نصف النهائي الذي لا يُنسى أمام أصحاب الأرض، مباراة الـ7-1 التي صدمت العالم، تحوّل قميص أحمر وأسود إلى رمز أعمق من مجرد نصر أو هزيمة: رمز للاحترام والتعاطف، ورابطة غير متوقعة بين أمتين كرويتين.

توماس مولر، ميروسلاف كلوزه، توني كروس، توني كروس مرة أخرى، سامي خضيرة: لم تمضِ 29 دقيقة حتى كانت ألمانيا متقدمة 5-0 على البرازيل، البلد المضيف، في نصف نهائي كأس العالم 2014. كان تدميرًا تاريخيًا بكل المقاييس، ومناسبة مثالية للاحتفال قليلًا في غرفة الملابس – ثم على أرض الملعب. بدا أن لا شيء يمكن أن يسير على نحو خاطئ؛ فالبرازيل كانت منهارة، وألمانيا ضمنت عمليًا مقعدها في النهائي.

ومع ذلك، ماذا قال المدرب يواكيم لوف في حديثه بين الشوطين؟

قال: “قلت لهم: إذا بدأ أي واحد منا في الاستهتار، أو السخرية من المنافس، أو التوقف عن اللعب بكل جدية – فهذا الشخص لن يكون موجودًا في النهائي، إذا وصلنا إليه”.

كما ذكّر لوف لاعبيه بمرارة خسارتهم نصف نهائي كأس العالم 2006 على أرضهم أمام إيطاليا، وبالألم الذي صاحب تلك الهزيمة، مستحضرًا في الوقت ذاته الأسابيع الأربعة الخاصة التي قضاها المنتخب الألماني بالفعل في البرازيل. وقال لاحقًا: “البرازيليون أظهروا احترامًا كبيرًا لنا في جميع أنحاء البلاد. وبالنسبة لي، كان من المستحيل تمامًا أن نقوم بإذلالهم أو التعامل معهم بتعالٍ”.

للوهلة الأولى، بدا الأمر مجرد سحق كروي. لكن عند التمعّن، كان ذلك تتويجًا لتفاهم دولي ربما لا تستطيع تحقيقه إلا كرة القدم. وكان قميص ألمانيا في تلك الليلة، بخطوطه الأفقية الحمراء والسوداء المستوحاة من فلامنجو، رمزًا واضحًا لذلك.

غير محبوبين

Brazil v Germany: Semi Final - 2014 FIFA World Cup BrazilGetty Images

تقليديًا، يُعد المنتخب الألماني من أقل المنتخبات شعبية على مستوى العالم، إن جاز التعبير. ففي عامي 1954 و1974، حرم ألمانيا اثنين من أكثر المنتخبات الأوروبية موهبة في القرن العشرين – مجر المجر بقيادة فيرينتس بوشكاش، وهولندا بقيادة يوهان كرويف – من التتويج بكأس العالم في نهائيين صعبين.

وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، كانت سمعة ألمانيا في كرة القدم العالمية قد تضررت بشدة. ففي مونديال 1982 بإسبانيا، وقعت أولًا “فضيحة خيخون” عندما تواطأت ألمانيا والنمسا للتأهل معًا على حساب الجزائر، ثم جاء الاعتداء الشهير للحارس هارالد “توني” شوماخر على الفرنسي باتريك باتيستون في نصف النهائي.

ورغم ذلك، وبدلًا من التعاطف، واصلت ألمانيا حصد الألقاب بجدية، ففازت بكأس أوروبا 1980، وكأس العالم 1990، ويورو 1996. وقال المهاجم الإنجليزي الأسطوري غاري لينيكر عبارته الشهيرة: “كرة القدم لعبة بسيطة: 22 لاعبًا يطاردون الكرة لمدة 90 دقيقة، وفي النهاية يفوز الألمان دائمًا”.

مع مطلع الألفية الجديدة، بدأ التيار يتغير تدريجيًا. فقد شكّلت “حكاية الصيف الخيالية” في كأس العالم 2006 على الأراضي الألمانية، حيث خسرت ألمانيا نصف النهائي بصعوبة أمام إيطاليا المتوجة لاحقًا، بطولة احتضنها العالم بأسره. ثم جاء الأداء المنعش للمنتخب الشاب في مونديال 2010 بجنوب أفريقيا، ليكسب المزيد من الإعجاب قبل خسارة نصف نهائي أخرى بفارق ضئيل أمام إسبانيا. والآن، جاء الدور على كسب الأصدقاء في البرازيل.

“قميصك لريو” – هكذا سوّق الاتحاد الألماني لكرة القدم لقميصه الاحتياطي الجديد باللونين الأحمر والأسود، شبه المطابق لقميص فلامنجو الشهير، قبل كأس العالم في فبراير 2014. وحتى ذلك الوقت، كانت قمصان ألمانيا الاحتياطية غالبًا خضراء، وأحيانًا حمراء أو سوداء، لكن لم يجتمع اللونان معًا بهذا التوازن من قبل.

وقال مسعود أوزيل: “القميص الجديد رائع ويذكرني بقميص فلامنجو ريو دي جانيرو. من المؤكد أنه سيجلب لنا الحظ في كأس العالم بالبرازيل”. وكانت تلك بداية حملة كسب ودّ لافتة، هدفت من خلالها ألمانيا إلى الفوز بلقب جديد وكسب قلوب أصحاب الأرض في آن واحد.

الأكثر مبيعًا في البرازيل

FBL-WC-2014-GER-ARG-FANSGetty Images

سرعان ما أثمرت خطة الاتحاد الألماني. فقبل انطلاق كأس العالم بوقت طويل، أثار القميص الاحتياطي لألمانيا حماسة كبيرة في البرازيل. ونقلت صحيفة “أو ديا” المحلية عن أحد المشجعين قوله: “عندما تم الكشف عن القميص الألماني بألوان فلامنجو، قررت تشجيع ألمانيا”.

وتبع الحماس هوس بالشراء، إذ أصبح القميص في وقت قصير من الأكثر مبيعًا في البرازيل، ونفد من المتاجر الرياضية في ريو دي جانيرو، بينما غزت النسخ المقلدة شاطئ كوباكابانا. وفي ألمانيا، ظهر باستيان شفاينشتايجر في تدريبات بايرن ميونخ مرتديًا قميص فلامنجو الأصلي، في إشارة لتعزيز هذه العلاقة المتنامية.

وفي الوقت نفسه، استغل ألماني مقيم في ريو يُدعى برنهارد فيبر، المعروف باسم جرينجو، الفرصة، فكتب أغنية مستوحاة من القميص بعنوان: “كرة القدم الألمانية رائعة، حرّك مؤخرتك”.

وفي الفيديو المصاحب، يرقص فيبر في شوارع وشواطئ وأسواق وأحياء ريو، متنقلًا بين الغناء بالبرتغالية والألمانية، مرتديًا قميص ألمانيا الأحمر والأسود وقبعة فلامنجو، وبجواره امرأة برازيلية شبه عارية. وسرعان ما أصبحت الأغنية تُبث بانتظام على شاشات التلفزيون البرازيلية وفي الحانات الشاطئية.

الإبهار داخل الملعب

Germany v Portugal: Group G - 2014 FIFA World Cup BrazilGetty Images

في مطلع يونيو، وصل المنتخب الألماني أخيرًا إلى البرازيل، واستقر في مقر “كامبو باهيا” الذي شُيّد خصيصًا لكأس العالم. ومنذ اللحظة الأولى، حرص الفريق على الاندماج مع المجتمع المحلي، حيث رقص شفاينشتايجر ومانويل نوير مع الجماهير على أنغام نشيد أحد أندية باهيا، فيما شارك اللاعبون في فعاليات اجتماعية بالمنطقة. وأشاد الصحفي البرازيلي ريناتو كوستا بذلك في مقابلة مع “دويتشه فيله” قائلًا: “من الواضح أن المنتخب الألماني أبدى اهتمامًا بالبرازيل ويبذل جهدًا كبيرًا”.

على أرض الملعب، قدمت ألمانيا كرة قدم مبهرة، بدأت بفوز ساحق 4-0 على البرتغال في الافتتاح، بفضل ثلاثية مولر. ثم تعادلوا مع غانا، قبل أن يرتدوا القميص الاحتياطي للمرة الأولى في الفوز على الولايات المتحدة، الذي ضمن لهم صدارة المجموعة. ومع ذلك، كانوا قريبين من الإقصاء أمام الجزائر في دور الـ16، ولم يتأهلوا إلا بعد اللجوء إلى الوقت الإضافي.

في المقابل، واصل المنتخب البرازيلي إبقاء جماهيره على أعصابها. فبعد تصدر مجموعته، تجاوز تشيلي بركلات الترجيح في دور الـ16، وسط احتفالات جنونية في المدرجات. ولم يكن البرازيليون وحدهم من احتفلوا، إذ ظهر شفاينشتايجر ولوكاس بودولسكي وهما يحتفلان بالأعلام البرازيلية، لتنتشر المقاطع المصورة لهما كالنار في الهشيم.

أمة الأحمر والأسود

Fluminense v Flamengo - Campeonato Carioca 2026 FinalGetty Images

في ربع النهائي، فازت البرازيل على كولومبيا، لكنها خسرت نجمها الأبرز نيمار بسبب إصابة في الظهر. أما ألمانيا، فتوجهت إلى ريو دي جانيرو – معقل فلامنجو – للمرة الأولى لمواجهة فرنسا.

تأسس نادي فلامنجو في الأصل كنادٍ للتجديف، قبل أن يتحول سريعًا إلى كرة القدم. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، كان ليونيداس، أول نجم كروي حقيقي في البرازيل وهداف مونديال 1938، أبرز لاعبيه. وبعد نحو 50 عامًا، قاد الأسطورة زيكو النادي عام 1981 لتحقيق أول لقب لكوبا ليبرتادوريس، إلى جانب كأس العالم للأندية بعد الفوز على ليفربول في طوكيو. ومنذ ذلك الحين، أصبح فلامنجو النادي الأكثر شعبية في البلاد بفارق كبير.

ولعب معظم نجوم البرازيل الكبار بقميص فلامنجو في مرحلة ما من مسيرتهم، من ماريو زاغالو إلى بيبيتو، وروماريو إلى رونالدينيو، وأدريانو إلى فينيسيوس جونيور. وبعد سنوات من الجفاف، عاد النادي للاحتفال مؤخرًا، محققًا الدوري البرازيلي عامي 2019 و2020، وكوبا ليبرتادوريس عامي 2019 و2022، وكأس البرازيل عامي 2022 و2024.

ووفقًا لاستطلاعات حديثة، يمتلك فلامنجو نحو 47 مليون مشجع، أي أكثر من خُمس سكان البرازيل، ويطلقون على أنفسهم “أمة الأحمر والأسود”.

حملة كسب ودّ

TOPSHOT-FBL-WC-2014-MATCH64-GER-ARGGetty Images

قبل أول ظهور لهم في ملعب ماراكانا، نشر شفاينشتايجر وبودولسكي صورة لهما وهما يرتديان قمصان فلامنجو، على شرفة تطل على شاطئ ريو دي جانيرو.

وكان بودولسكي، على وجه الخصوص، مولعًا بالعلاقة المتنامية بين النادي والمنتخب الألماني. وخلال كأس العالم، نشر تغريدات متكررة بالبرتغالية وصورًا له مع رونالدو ورونالدينيو، وحتى بعد البطولة واصل تفاعله مع جماهير فلامنجو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وحاول النادي التعاقد معه عدة مرات خلال العقد التالي. وقال بودولسكي لاحقًا لشبكة “جلوبو إسبورتي”: “الجميع يعلم أنني أحببت البرازيل منذ كأس العالم، وخاصة نادي فلامنجو”.

وفي أول ظهور لهم على ملعب فلامنجو، فاز المنتخب الألماني على فرنسا 1-0، بهدف رأسية حاسمة من ماتس هوملز. والآن، جاء موعد نصف النهائي… والبرازيل في الانتظار.

انكسار الكبرياء

Brazil v Germany: Semi Final - 2014 FIFA World Cup BrazilGetty Images

بحسب وسائل الإعلام المحلية، تم بيع أكثر من نصف مليون قميص ألماني في البرازيل بحلول موعد المواجهة بين المنتخبين، غالبيتها باللونين الأحمر والأسود. ودعت صحيفة “لانسه” الرياضية قراءها لإرسال صور لهم وهم يرتدون القميص الألماني الأحمر والأسود. كما حقق القميص مبيعات ضخمة في ألمانيا، حيث أعلنت شركة أديداس أن الأرقام “فاقت كل التوقعات”.

مولر، كلوزه، كروس، كروس مجددًا، خضيرة: بعد 29 دقيقة فقط في بيلو هوريزونتي، أصبحت النتيجة 0-5، في تدمير تاريخي. طالب لوف لاعبيه بضبط النفس بين الشوطين، واستجاب الفريق لتعليماته. ورغم ذلك، سجل البديل أندريه شورله هدفين في الدقائق الأخيرة، قبل أن يقلص أوسكار الفارق للبرازيل لتصبح النتيجة 1-7.

وكتب الاتحاد الألماني لكرة القدم، باللغة البرتغالية، عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي بعد صافرة النهاية: “منذ 2006، نعرف جيدًا مدى الألم الذي يسببه الخروج من نصف النهائي على أرضك. نتمنى لكم كل التوفيق في المستقبل”. وأرفق الرسالة بصور لشفاينشتايجر وهو يواسي دافيد لويز، ومولر يربت على دانتي، وفيليب لام يطمئن على أوسكار، إضافة إلى الصورة المؤثرة لرجل برازيلي مسنّ بشارب، أصبح رمزًا للمأساة في وسائل الإعلام، وهو يبكي متشبثًا بنسخة مقلدة من كأس العالم في مدرجات ملعب مينيراو، قبل أن يقدم الكأس لاحقًا لطفل ألماني صغير.

وقد تبيّن لاحقًا أن الرجل هو كلوفيس أكوستا فيرنانديز، مشجع وفيّ تابع منتخب بلاده لسنوات طويلة، وكان يحاول استيعاب أقسى هزيمة شهدها في حياته كمشجع أمام أنظار العالم. وبعد المباراة، نشر صورة له مع فرانز بيكنباور، مدير المنتخب الألماني آنذاك، تعود إلى كأس العالم 1990، وكتب بالألمانية: “آمل أن ترفعوا الكأس يوم الأحد في المعبد المقدس لكرة القدم، ماراكانا”.

المفضلون على أرض أصحاب الأرض

Germany v Argentina: 2014 FIFA World Cup Brazil FinalGetty Images

عكس ذلك المنشور المزاج العام في البرازيل، حيث وقف كثيرون إلى جانب ألمانيا في النهائي أمام الغريم التقليدي المكروه، الأرجنتين، رغم الهزيمة التاريخية في نصف النهائي.

بل إن بوابة UOL الإلكترونية زعمت أن ألمانيا كانت “أكثر برازيلية من البرازيل” بأسلوب لعبها، وبفضل قمصانها الحمراء والسوداء جزئيًا. أما صحيفة “أو إستادو دي ساو باولو” فأشادت بـ”السلوك الاستثنائي” للألمان، قائلة إنهم “تعلموا فهم روح هذه المنطقة”. وفي استعراضها للنهائي أمام الأرجنتين، اكتفت صحيفة “لانسه” بعبارة: “نحن جميعًا ألمانيا”.

وبتشجيع من الجماهير الألمانية التي رافقت الفريق، إضافة إلى البرازيليين أنفسهم، فاز منتخب لوف على أرجنتين ليونيل ميسي 1-0 بعد وقت إضافي، بفضل هدف ماريو غوتزه من مسافة قريبة. ولم تكتفِ ألمانيا بحصد لقبها العالمي الرابع على أرض البرازيل، بل كسبت أيضًا عددًا هائلًا من المشجعين حول العالم وفي البلد المضيف.

وكما كان متوقعًا، ظهر بودولسكي وهو يحمل كأس العالم مرتديًا قميص فلامنجو، ليشعر جزء – ولو صغير – من أمة الأحمر والأسود بأن نجاح ألمانيا كان نجاحًا لهم أيضًا.



المصدر – كوورة

By Sayed