إيمري.. حفيد مؤسسي الليجا.. وملك الدوري الأوروبي

BySayed

أبريل 9, 2026


في مدينة هوندارّيبيا الصغيرة، المطلّة على مصبّ نهر البيداسوا، في إقليم جيبوثكوا شمال إسبانيا، وُلد في 3 نوفمبر 1971 طفلٌ عرف أين يضع قدمه في الملعب قبل أن يعرف كيف يمشي، لأن الكرة في بيت آل إيمري لم تكن لعبةً تُركَ أو تُؤخذ، بل كانت دمًا يجري في العروق ويُورَّث من جيلٍ إلى جيل، وتلك كانت البداية الأولى لقصة أوناي إيمري، المدرب الإسباني الذي يقود اليوم نادي أستون فيلا الإنجليزي بعد مسيرة لم يبلغها في يوم واحد، بل بناها لبنةً فوق لبنة على امتداد عقود من العمل الصامت والإصرار الذي لا يلين.
كان جدّه أنطونيو إيمري حارسًا أسطوريًّا في نادي ريال أونيون الإيروني في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وقد عُرف بلقب «العصفور» في أرجاء الباسك كلها، إذ أحرز مع ناديه لقب كأس الملك مرتين، وكان ركيزة من ركائز الجيل المؤسس للدوري الإسباني، بل يُروى أنَّ الهجمة الأولى في تاريخ ذلك الدوري سجّلت في مرماه، فكان أنطونيو شاهدًا حيًّا على لحظة ميلاد اللعبة في إسبانيا، أما والده خوان فقد سار على الدرب ذاته حارسًا محترفًا لعب في أندية عديدة من الدرجة الثانية الإسبانية، وكذلك عمّه رومان الذي اتخذ وسط الملعب مرتعًا بدلًا من العارضة، فكانت عائلة إيمري بأكملها فصلًا من فصول التاريخ الكروي الباسكي لا يمكن تجاوزه.
الكرة كانت أكثر من لعبة في طفولة أوناي، كانت رفيقه الأول الذي أعاد له كل ما منحه إياه، وفي بيتٍ تعبق جدرانه برائحة المرمى والقفازات، لم يختر الصبيُّ الصغير أن يكون حارسًا كسلفَيْه، بل ذهب إلى وسط الميدان، مغايرًا في ذلك تقليدًا عائليًّا راسخًا، غير أن روح المنافسة والعمل لم تختلف عمّا غرسه الجد والأب في ذهنه منذ صغره، وفي عام 1982 حين لم يكن أوناي قد تجاوز الـ 11 من عمره، رحل جدّه أنطونيو تاركًا في نفسه أثرًا لم تمحُه السنون، وبعدها بـ 33 عامًا، في عام 2015، غادر والده خوان أيضًا، فصار ذلك الميراث على كتف واحدٍ يحمله في كل ملعب ينزل إليه.
قاده اجتهاده المبكر وموهبته الواضحة إلى الانتقال إلى التدريب في مركز شباب ريال سوسيداد في زوبيتا، على بُعد عشرين كيلومترًا من مدينته هوندارّيبيا، وظلّ في صفوف الفريق الاحتياطي بين عامَي 1990 و1995 خمسة مواسم متصلة في الدرجة الثانية «B»، وهي الدرجة الثالثة في سلم التصنيف الإسباني، قبل أن تأتيه فرصة الدرجة الأولى على يد المدرب سالفا إيريارتي الذي فتح له باب الفريق الأول في موسم 1995ـ1996، ولم يكن إلا خمس مباريات في الدوري سجَّل فيها هدفًا واحدًا أمام ألباثيتي في فوز ساحق 8ـ1، ثم أُغلق الباب من جديد، فاتجه نحو دروب أخرى وأندية متفرقة من قاع الهرم الإسباني.
انتقل بعدها إلى نادي طليطلة الذي كان يعيش في الدرجة الثانية آنذاك، وقضى هناك أربعة مواسم أتقن خلالها تفاصيل الكرة من زاوية اللاعب الذي لا يحظى دائمًا بالضوء، وفي تلك الحقبة كان قد وجد ما هو أعمق من الكرة، حيث التقى برفيقة عمره لويسا فيرنانديث، الطالبة الأندلسية التي تعرّف عليها ذات لقاء جمعهما في دائرة أصدقاء مشتركين، وبرسمٍ خجولٍ على وجهه تحدّث عن تلك اللحظة لاحقًا في مقابلة صحفية قائلًا: «تعرّفتُ عليها من خلال أصدقاء مشتركين منذ نحو عشرة أعوام، وكان ذلك الاكتشاف الأعظم في حياتي»، وفي صيف 2005 ارتبطا بعقد الزواج بعد أن كان ابنهما لاندر قد وُلد في عام 2004، وهو الذي سيسير بدوره على درب الجد والجدّ الأكبر حارسًا في ملاعب العائلة.
خلال مسيرته لاعبًا جمع أوناي بين الملاعب وقاعات الدراسة، إذ حصل على رخصة التدريب الوطنية وهو لا يزال يلعب، مستغلًا أعوام إقامته في طليطلة وجاليثيا لدراسة مناهج التدريب في المدرستين اللتين أُقيمتا في تلك المدن، ولاحقًا في صفوف ليجانيس مدّ تعليمه أبعد حين درس إدارة وتسيير الأعمال الرياضية في أكاديمية مدريد المعتمدة من كراوف والمرتبطة بجامعة بوليتيكنيكا برشلونة، وهناك التقى بخوان كارلوس كارثيدو الذي صار بعدها مساعده الأول وظلَّ أمينًا لجانبه في كثير من محطاته، وهو ما يكشف أن التحضير لمهنة التدريب لم يبدأ مع الإصابة، بل كان يسبقها بأعوام.
في عام 2003، انضمّ إلى نادي لوركا ديبورتيفا في الدرجة الثانية «B»، فأمضى موسمه الأول لاعبًا، واضعًا قدمه على عتبة الاعتزال قبل أن يُدركه. وفي الموسم التالي، أطاحت إصابة الركبة بمسيرته لاعبًا إلى غير رجعة. ففي نوفمبر 2004، جاء طرد المدرب كيكي ياجيي ليفتح بابًا لم يكن أوناي يطرقه، إذ عرض عليه أنطونيو بانيوس، رئيس النادي، أن يتسلّم المهمة، وهو طريح الفراش بفعل الإصابة، فقبل، وأعلن اعتزاله رسميًّا، وأمسك بدفّة الفريق من حيث تركه سلفه. وكان ذلك التحوّل في مسيرته نقطة البداية لمشوار تدريبي مختلف تمامًا عمّا سبقه.
في أول موسم له مدربًا قاد لوركا من الدرجة الثالثة إلى الثانية، وفي الموسم الذي تلاه حوّل الفريق إلى حديث الأوساط الكروية الإسبانية بلوغًا لمنافسة الصعود حتى الجولة الأخيرة، فكان ذلك كافيًا لاستقطاب أنظار أندية أكبر، وجاءه العرض من أونيون ديبورتيفا ألميريا في صيف 2006 فانتقل إليه، ثم أعاده في موسم 2006ـ2007 إلى الدرجة الأولى للمرة الأولى في تاريخ النادي، وفي الموسم التالي رسّخ وجود ألميريا في الأولى بمركز ثامن، ما دفع فالنسيا إلى التعاقد معه في مايو 2008 خلفًا للهولندي رونالد كومان.
أمضى مع فالنسيا أربعة مواسم متفاوتة النتائج، لكنها ثابتة على مسار مرسوم، وقاد الخفافيش في موسم 2009ـ2010 إلى المركز الثالث، ومن ثمّ إلى دوري أبطال أوروبا بعد غيابٍ طال، غير أن النهايات لا تكون دائمًا على قدر ما صُنع من جهد، ففي آخر مباراة له على ملعب ميستايا في 5 مايو 2012، حين أمّن الفريق رياضيًّا تأهّله إلى دوري الأبطال، لم يتلقَّ إلا وداعًا باردًا، وأعلن النادي اسم خلفه بعد يومين فحسب، وكان ذلك درسًا من دروس الكرة التي تعلّمها صاحبنا ولم ينسَه.
رحل بعدها إلى موسكو ليقود سبارتاك لأشهر قليلة انتهت باستقالة مبكرة لتباعد الأهداف ومطبّات الأداء، ثم كانت إشبيلية هي المحطة التي أعادت رسم وجهه على خريطة كرة القدم الأوروبية إلى الأبد، ففي موسم 2013ـ2014 وبعد بداية متذبذبة كادت تضع الفريق في دائرة الخطر، قاد النادي الأندلسي إلى انتزاع بطولة الدوري الأوروبي أمام بنفيكا بركلات الترجيح، ثم أعاد الكرة في 2014ـ2015 بفوز 3ـ2 على دنيبرو الأوكراني، وفي الموسم الثالث أسقط ليفربول 3ـ1 في نهائي بازل 2016، ليصبح أول مدرب في تاريخ الكرة يفوز بالبطولة الأوروبية ثلاث مرات متتالية مع الفريق ذاته، وعن تلك المرحلة قال ذات يوم: «هذه البطولة نمت معي وتشرّبتُ فلسفتها، وحين جئتُ إلى إشبيلية طبّقتُ كل ما تعلّمته من أجل تحقيقها».
جاء بعدها الانتقال الأضخم في مسيرته حين ارتدى معطف باريس سان جيرمان في 2016، وكان أمامه ملف نجوم من طينة نيمار ومبابي وكافاني في مواجهة شخصية وتقنية لا تحتمل الهشاشة، وعن تلك التجربة أقرّ بصراحة قلّما نسمعها من مدرب في قمة الهرم: «التدريب صعب، والتدريب في مستوى كهذا أصعب، حين وصلتُ إلى باريس اكتشفتُ أنَّ اللاعبين في هذا المستوى كثير ما يجدون الحل بأنفسهم، وكنت أعرف أنهم يضعونني تحت مكبر الضوء»، وأضاف في موضع آخر: «في الأندية الكبرى، اللاعبون يريدون من المدرب ألّا يخطئ أبدًا»، وكانت تلك قراءةً نادرة في تشريح علاقة المدرب بالبيئة التي يعمل فيها.
غادر باريس في 2018 ليتولّى أرسنال بدلًا من أرسين فينجر بعد 22 عامًا من الإرث الثقيل، وهو انتقال وصفه مسؤولو النادي آنذاك بأنه «أكبر تحدٍّ في تاريخ الجنّرز»، فأنهى موسمه الأول مرفوعَ الرأس بتأهّل أوروبي ووصول إلى نهائي الدوري الأوروبي، قبل أن يجيء العام الثاني ثقيلًا فيُعفى من منصبه في نوفمبر 2019 بعد سلسلة نتائج متعثّرة، ثم عاد في يوليو 2020 مع فياريال مزوّدًا بروح جديدة، وفي 26 مايو 2021 فاز فياريال بالدوري الأوروبي بعد إسقاط مانشستر يونايتد على ركلات الترجيح في نهائي تاريخي، ليصبح إيمري أكثر المدربين تتويجًا في تاريخ البطولة، وقبل تلك النهائي أفصح عن سرّ تحضيره بعبارة بسيطة: «درستُ 17 مباراة لمانشستر يونايتد قبل النهائي».
جلسات تحليل الفيديو التي يُجريها إيمري تمتد في المتوسط 12 ساعة متواصلة، ثم يختصرها في ساعة كاملة يقدّمها لاعبوه في الاجتماع التكتيكي، وهو ما يكشف عن أنَّ المنهجية عنده ليست شعارًا يُردّد بل ممارسة يومية لا تتوقف، وفي إشبيلية كان يشتهر بمصاحبة لاعبيه إلى ملاعب التنس والسكواش في العطل البينية، قائلًا إنَّ الرياضة الفردية تعلّم التركيز وتصفّي الذهن بين الجولات.
في 24 أكتوبر 2022 جاء الإعلان عن توليه قيادة أستون فيلا بعد إقالة ستيفن جيرارد، والنادي لم يكن يملك في رصيده إلا فوزين من 11 مباراة، ويقبع في المركز الـ 16 على بُعد نقطة واحدة من منطقة الهبوط، وفي 6 نوفمبر سجَّل فوزه الأول مع الفريق 3ـ1 أمام مانشستر يونايتد، وكان ذلك الانتصار الأول لفيلا على يونايتد في الدوري داخل فيلا بارك منذ أغسطس 1995، فكان إيذانًا بأن شيئًا ما تغيّر في بيرمنجهام، وعن لحظة وصوله قال: «كان دوري الأبطال مجرد حلم حين جئتُ، لأن اختراق الدوري الإنجليزي والوصول إلى هذه البطولة في آنٍ واحد أمرٌ بالغ الصعوبة»، غير أنَّ الحلم لم يبقَ حلمًا طويلًا.
قاد فيلا في موسم 2023ـ2024 إلى المركز الرابع وإلى دوري الأبطال للمرة الأولى منذ 1982ـ1983، ومدّد عقده مرتين، أولًا حتى 2027 في أبريل 2024، ثم حتى 2029 في مايو من العام ذاته، وفي دوري الأبطال الذي خاضه للمرة الأولى مع الفريق في 2024ـ2025 بلغ الدور ربع النهائي قبل أن تطيح به باريس سان جيرمان بمجموع 5ـ4 في مباراتين، وكانت مفارقةً لافتة أنَّ النادي الذي فارقه ذات يوم هو من يوقف مسيرته، وبعد كل ما تحقّق لا يزال يقول: «الكرة تتغيّر ويجب أن أتكيّف معها بسرعة، لأنها تفرض عليك أن تتحدّى نفسك كل يوم»، وهو ما يلخّص فلسفة رجل تجاوز الخمسين ولا يزال يتصرف كمن في بداية مشواره.
في يوليو 2021 أتمّ إيمري وأشقّاؤه الاستحواذ على نادي ريال أونيون، وأصبح أخوه إيجور رئيسًا للنادي العريق الذي حملت قميصه أجيال من العائلة، وربط لاحقًا بين ريال أونيون وأستون فيلا بشراكة مؤسسية في التطوير وإعداد المواهب، فكان ذلك وفاءً من رجل لجذوره لا يُخطئه من عرف قصته، وابنه لاندر جاء بدوره ليكون الجيل الرابع في سلالة إيمري الكروية، إذ لعب في صفوف فريق أستون فيلا للشباب قبل أن يلتحق بريال أونيون حارسًا، فكان الحلقة التي تربط بيرمنجهام بإيرون، والحاضر بالماضي الذي لا يموت.
في مطلع عام 2025 كان فيلا يتعقّب نوتينجهام فورست وتشيلسي بفارق عشر نقاط، فقال بهدوء من يعرف قيمة الصبر: «كنَّا خلفهم بنقاط كثيرة، لكننا كنّا نتقدّم تدريجيًّا ونقلّص الفارق، بالطبع لا يزال أمامنا مباريات ولم نصل بعد»، وحين سُئل عن رغبته في استراحة أجاب بلا تردد: «لا أريد إجازة الآن، أنا مشحون بالطاقة ومتحمس لما نقدّمه وكيف نتنافس»، وبين هذين التصريحين يتكشّف شخص لا يستريح إلا حين يعمل، ولا يعمل إلا حين يطمع في أكثر مما وصل إليه.



المصدر – الرياضية

By Sayed