في صباح كل يوم عمل، يجلس نيكولا دابانوفيتش، حكم مواجهة الحزم والهلال في دوري روشن، خلف مكتبه مدير حسابات في إحدى شركات بودجوريتشا، يفتح الملفات، ويتابع الأرقام، ويدير العلاقات التجارية، بأسلوب الرجل الذي اعتاد ضبط التفاصيل، لكنه في المساء، أو في عطلة نهاية الأسبوع، يبدّل بدلته برداء الحكم، ويشرع الصافرة بين أصابعه، ويتحول من رجل يراقب الأرقام إلى رجل تراقبه الملايين، حياة مزدوجة لا يختارها كثيرون، وحين تسأل عن السبب، تجد أن الإجابة تبدأ قبل أربعة عقود في شوارع العاصمة الجبلية.
في 18 ديسمبر 1981، وُلد نيكولا دابانوفيتش في بودجوريتشا عاصمة الجبل الأسود، وهو بلد لا يتجاوز عدد سكانه 620 ألف نسمة، كبر في مدينة يعرف كل شوارعها ويحفظ كل أحيائها، وكانت عيناه تتبعان الرجل الذي يمشي في وسط الملعب حاملًا صافرة لا كرة، ذلك الحكم الذي يُسكت اللاعبين بإشارة من يده، فكان ذلك هو طريقه لا غير.
في عام 2006، خطا دابانوفيتشو للمرة الأولى حكمًا على أرض الدوري الجبلي الأول، وكان في الـ 24 من عمره، يتعلم كيف تُقرأ المباراة من زاوية مختلفة، زاوية من يملك الصافرة، وليس من يركل الكرة، وبعد ثلاثة أعوام من تلك البداية، أُدرج اسمه في 2009 ضمن قائمة حكام الفيفا الدولية، ليصبح واحدًا من الأسماء المعترف بها على المستوى الكوني.
جاء اختباره الدولي الأول في 10 أغسطس 2011، حين أدار مباراة منتخبَي البوسنة والهرسك واليونان، اللحظة التي يقف فيها الحكم أمام جمهور دولي ويلمس أول صافرة دولية لا تُنسى، واللعبة الواحدة تكفي لتحديد ما إذا كان هذا الرجل يملك ما يلزم للمضي قُدُمًا، ومضى دابانوفيتش قُدُمًا.
اختاره «يويفا» في 2014 حكمًا لبطولة أوروبا تحت 17 عامًا في مالطا، ثم عاد في 2019 حكمًا لبطولة أوروبا تحت 19 عامًا في أرمينيا، وكل اختيار جديد هو اعتراف من الهيئات الأوروبية بأن اسمه ليس نزهة في السجلات، وارتقى إلى الفئة الأولى لحكام «يويفا» قبل ثلاثة أعوام من تسجيله التاريخ.
في 4 أكتوبر 2023، أصبح دابانوفيتش أول حكم جبلي يدير مباراة في دور المجموعات لدوري أبطال أوروبا، حين وقف في ملعب أليانز أرينا مديرًا مواجهة بايرن ميونيخ وفيكتوريا بلزن، وانتهت المباراة بخماسية البافاريين، ثم كان له موعد آخر مع الإعلان التاريخي، حين أدار في 2 أكتوبر 2024 مباراة ليفربول وبولونيا في الجولة الثانية من دوري الأبطال على أرض أنفيلد الشهير، برفقة مساعديه فلادان تودوروفيتش وسردجان يوفانوفيتش، فيما اضطلع ميلوش بوشكوفيتش بدور الحكم الرابع.
بات دابانوفيتش أشهر حكام الجبل الأسود، إذ أدار خلال مسيرته 465 مباراة، أشهر خلالها 1639 بطاقة صفراء، وطرد 23 لاعبًا بشكل مباشر، إضافة إلى 20 لاعبًا بعد الحصول على الإنذار الثاني، كما احتسب 92 ركلة جزاء، بحسب موقع «ترانسفير ماركت» العالمي.
في حياته اليومية، يعمل دابانوفيتش مديرًا للحسابات إلى جانب مسيرته في التحكيم، رجل يجمع بين صافرة الملعب ومعادلات المكتب في الوقت نفسه، حياة مزدوجة تُخبر الكثير عن طريقة تفكيره، لا يكتفي بمسار واحد، ويرى في التوازن طريقة عيش.
ويعرف صاحب الـ44 عامًا الكرة السعودية جيدًا، إذ سبق له إدارة 12 مباراة بدوري روشن السعودي، كانت الأولى عام 2020 عندما أدار مواجهة الفيحاء والشباب، وبعد عامين قاد مواجهة الاتحاد وأبها، كما أدار مواجهتي النصر ضد الرياض والفيحاء في الموسم الماضي، وفي كأس الملك قاد الحكم المخضرم مواجهة وحيدة جمعت التعاون والاتحاد، وخلال الموسم الجاري أدار عدة مباريات أبرزها ديربي جدة بين الاتحاد والأهلي.
اليوم في الرس يضبط ابن مدينة بودجوريتشا مواجهة الحزم والهلال في دوري روشن، المواجهة التي ربما تكون حاسمة في تحديد لقب الدوري.