لم تكن فكرة تحليل اللاعبين للكشف عن المنشطات جزءًا أصيلًا من كرة القدم أو الرياضة عمومًا في بداياتها، إذ ظلَّ استخدام المواد المنشطة خلال النصف الأول من القرن الـ 20 أمرًا شبه طبيعي في العديد من الألعاب، حيث كان اللاعبون والمدربون يبحثون عن أي وسيلة لرفع القدرة البدنية دون إدراك كامل للمخاطر الصحية أو العدالة التنافسية.
التحوّل الحقيقي بدأ بعد حادثة وفاة الدراج الدنماركي كنود ينسن في أولمبياد روما 1960، وهي الحادثة التي صدمت المجتمع الرياضي عالميًّا وأجبرت الهيئات الرياضية على الاعتراف بأن الرياضة دخلت مرحلة خطيرة تتطلب رقابة علمية، فبدأت اللجنة الأولمبية الدولية عام 1961 تأسيس أول لجنة طبية متخصصة، وفي عام 1968 أُجريت أول اختبارات رسمية للمنشطات في الألعاب الأولمبية، لتولد بذلك فكرة «الرياضة النظيفة» كمبدأ عالمي.
في كرة القدم تحديدًا، لم يظهر تطبيق فحوصات المنشطات بشكل منظم إلا مع اتساع الاحتراف في السبعينيات والثمانينيات، حين بدأت الاتحادات القارية ولاحقًا الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» بإدخال الفحص العشوائي للاعبين بعد المباريات الكبرى.
كانت الفكرة في البداية بسيطة اختيار لاعب أو لاعبين بعد المباراة وتحليل عينات البول فقط، لكن هذه الإجراءات كشفت تدريجيًّا أنَّ كرة القدم ليست بعيدة عن مشكلة المنشطات كما كان يُعتقد، خاصة مع ازدياد السرعة البدنية وكثافة المباريات وارتفاع العوائد المالية.
شهدت تسعينيات القرن الماضي نقطة تحول تاريخية عندما أصبحت قضايا المنشطات تهدد مصداقية الرياضة عالميًّا، وهو ما أدى عام 1999 إلى إنشاء الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات، وهي الهيئة التي وحدت قوانين مكافحة المنشطات في كل الرياضات بما فيها كرة القدم، ووضعت للمرة الأولى قائمة دولية موحدة للمواد المحظورة، وأنظمة عقوبات ثابتة، وإجراءات فحص خارج المنافسات، وهو تحول قانوني كبير أنهى اختلاف اللوائح بين الدول والبطولات.
دخلت كرة القدم بعد ذلك مرحلة الرقابة الحديثة، فبدل الاكتفاء بالفحص بعد المباريات، أصبح اللاعب خاضعًا للمتابعة طوال الموسم، سواء في النادي أو المعسكرات أو حتى خارج أوقات المنافسة، وظهرت فكرة «المكان المتاح للاعب» التي تلزمه بإبلاغ الجهات المختصة بموقعه لإجراء فحوصات مفاجئة.
هذا التحوّل غيَّر مفهوم النزاهة الرياضية، إذ لم يعد الكشف يعتمد على الشك بل على المراقبة العلمية المستمرة.
ومن أبرز اللحظات التي أثَّرت في صورة كرة القدم عالميًّا قضية الأسطورة الأرجنتينية دييجو مارادونا في كأس العالم 1994 عندما أُبعد من البطولة بعد نتيجة إيجابية لفحص المنشطات، بعدها توالت حالات إيقاف متعددة في بطولات الأندية والمنتخبات، ما دفع الاتحادات إلى تشديد العقوبات وإدخال برامج توعية إجبارية للاعبين والأجهزة الطبية.
مع بداية الألفية الجديدة تطوَّرت القوانين بصورة كبيرة، فأُدخل تحليل الدم إلى جانب البول، ثم ظهر الجواز البيولوجي للاعب، وهو سجل علمي طويل الأمد لمؤشرات الدم والهرمونات يسمح بكشف التلاعب حتى دون العثور على مادة محظورة مباشرة.
كما أُقرت قاعدة الاحتفاظ بالعينات لمدة تصل إلى عشرة أعوام لإعادة تحليلها بتقنيات مستقبلية، وهو ما أدى لاحقًا إلى اكتشاف مخالفات من انتهاء البطولات.
في كرة القدم الحديثة أصبحت مكافحة المنشطات جزءًا أساسيًّا من إدارة البطولات، ففي كأس العالم ودوري الأبطال والدوريات الكبرى تُجرى مئات الفحوصات سنويًّا، ويشمل ذلك اللاعبين الأساسيين والاحتياط وحتى المصابين، كما توسعت البرامج لتشمل المكملات الغذائية والأدوية العلاجية بعد تسجيل حالات عديدة كان سببها جهل اللاعب بالمكونات الطبية وليس نية الغش.
ومن أبرز التحوَّلات القانونية الحديثة كان الانتقال من مفهوم «معاقبة اللاعب فقط» إلى مفهوم «المسؤولية المؤسسية»، حيث يمكن التحقيق مع الأجهزة الطبية أو الإدارات في حال وجود برنامج منشطات منظم، إضافة إلى فرض برامج تعليم إلزامية للاعبين الناشئين.