نجم الريال الشاب حسم تردده وفقد فرصة المونديال الأول!
في كل مرة يبرز فيها لاعب موهوب من أصول مغربية داخل أكاديميات أندية أوروبا الكبرى، يتجدد السؤال ذاته: أي قميص سيرتدي حين تحين لحظة الاختيار؟
مع تياجو بيتارش، جوهرة ريال مدريد الصاعدة، عاد السؤال بقوة. فبين اهتمام مغربي مبكر وتمسك إسباني بموهبة يراها جزءا من مستقبلها، وجد اللاعب نفسه في قلب منافسة تتجاوز حدود كرة القدم إلى الهوية والانتماء والطموح الرياضي.
من فوينلابرادا إلى فالديبيباس.. كيف وُلد “بيدري الجديد”؟
وُلد بيتارش في مدينة فوينلابرادا الإسبانية عام 2007 ويحمل الجنسيتين الإسبانية والمغربية، فيما تعود أصول عائلته من ناحية جدته لأمه إلى الحسيمة.
خلال فترة قصيرة انتقل من مجرد موهبة واعدة داخل أكاديمية ريال مدريد إلى أحد الأسماء الأكثر تداولا في النادي الملكي، بعدما فرض نفسه كأحد أبرز اكتشافات الموسم. ورغم أن تصعيده للفريق جاء عبر تشابي ألونسو إلا أن انطلاقته السريعة كانت مدفوعة بثقة كبيرة من المدير الفني ألفارو أربيلوا، الذي رأى فيه مشروع لاعب استثنائي وقدمه رسميا أمام بنفيكا في دوري الأبطال، حتى إن وكلاء اللاعب أكدوا أن أحدا داخل أكاديمية ريال مدريد لم يؤمن بقدراته كما فعل أربيلوا.
اقرأ أيضا: 4 ملفات عاجلة.. حل سعودي ضمن خطة ديكو لإنعاش برشلونة
ومع تطور مستواه، بدأ كثيرون يطلقون عليه لقب “بيدري الجديد”، في إشارة إلى أسلوبه الفني الهادئ وقدرته على التحكم بإيقاع اللعب في وسط الملعب، علي غرار نجم برشلونة.
الأرقام بدورها عززت هذه الصورة. ففي مواجهة مانشستر سيتي بدوري أبطال أوروبا أنهى مباراة الذهاب في ثمن النهائي بنسبة نجاح في التمرير بلغت 94% مع أربع استخلاصات للكرة. كما سجل حضورا لافتا في الليجا، إذ قدم أمام خيتافي 42 تمريرة ناجحة من أصل 48 مع ستة استرجاعات للكرة، خلال 208 دقائق فقط خاضها في ثلاث مباريات مع الفريق الأول.
اقرأ أيضا: من أرض المغرب.. السنغال بطلة أفريقيا للناشئين
اقرأ أيضا: مونديال 2026 أم 2030؟.. المغرب يختار المستقبل على حساب اللحظة
المغرب يدخل السباق.. عروض مغرية
ومع اتساع دائرة الاهتمام بموهبته، لم يتأخر المغرب في التحرك. فقد بدأت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم اتصالاتها مع اللاعب لإقناعه بتمثيل “أسود الأطلس”، مستفيدة من أصوله المغربية ومن النجاحات التي حققتها سابقا في استقطاب عدد من المواهب المزدوجة الجنسية. ولم يكن التحرك المغربي عشوائيا، بل استند إلى مشروع متكامل.
فمن جهة، عُرض على اللاعب طريق أسرع نحو المنتخب الأول وإمكانية المشاركة في كأس العالم 2026، وهو خيار كان من الصعب ضمانه مع منتخب إسبانيا بسبب حجم المنافسة.
اقرأ أيضا: ماجر عن فرص أفريقيا بالمونديال: أمنية جزائرية.. وأحلام كبيرة للمغرب ومصر
ومن جهة أخرى، قُدمت له رؤية بعيدة المدى مرتبطة بمونديال 2030 الذي سيقام في المغرب وإسبانيا والبرتغال، باعتباره أحد الوجوه المرشحة لتمثيل المنتخب المغربي في ذلك الحدث التاريخي.
دور دياز.. إسبانيا ترد بقوة
وفي موازاة تحركات الاتحاد المغربي، لعب إبراهيم دياز دورا مهما في المشهد. فوجوده مع بيتارش داخل ريال مدريد منح الملف بعدا إضافيا، خاصة بعدما أكد اللاعب الشاب أن دياز تحدث معه كثيرا عن المنتخب المغربي وعن الأجواء الإيجابية التي يعيشها داخله.
لذلك رأت عدة تقارير أن نجم أسود الأطلس قد يشكل أحد أبرز أوراق الإقناع في هذا الملف.
اقرأ أيضا: أحلام بين علمين.. دفء مغربي يخطف ميسي مالاجا من برود لا روخا
لكن إسبانيا لم تكن بعيدة عن التطورات. فقد سعى المدرب لويس دي لا فوينتي إلى تأمين استمرار اللاعب ضمن المشروع الإسباني، ما رفع مستوى التنافس بين الطرفين.
واستُدعي بيتارش إلى منتخب إسبانيا تحت 20 عاما للمشاركة في كأس العالم في تشيلي، كما ارتبط اسمه بإمكانية الانضمام إلى منتخب تحت 21 عاما، في مؤشر واضح إلى المكانة التي يحظى بها داخل منظومة الكرة الإسبانية.
وسط هذه المعركة الهادئة، خرج اللاعب في مارس 2026 بتصريحات أبقت جميع الاحتمالات قائمة. فقد أبدى إعجابه بإبراهيم دياز، وأشاد بالأجواء داخل المنتخب المغربي كما نقلها له زميله، لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لم يتخذ قراره النهائي بعد، وأن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد وجهته الدولية.
اقرأ أيضا: أزمة مغربية.. هل فرض الفيفا عقوبة تأديبية على الزمالك؟
اقرأ أيضا: خطة إنقاذ ميلان: سلوت ورقة إبراهيموفيتش.. وموعد مرتقب مع يايسله
لحظة الحسم.. بيتارش يتخلص من تردده
غير أن المشهد لم يظل معلقا طويلا. فبعد أشهر من التكهنات والمتابعة الإعلامية، حسم بيتارش موقفه واختار تمثيل منتخب إسبانيا. وخلال وجوده مع منتخبات “لاروخا”، أكد أن حلمه يتمثل في الوصول إلى المنتخب الأول والفوز بالألقاب، مشددا على أنه يعمل خطوة بخطوة لتحقيق هذا الهدف.
مثّل القرار انتصارا لإسبانيا في أحد أكثر ملفات المواهب المزدوجة متابعة، لكنه في الوقت نفسه أعاد تسليط الضوء على حجم الجهد الذي يبذله المغرب لاستقطاب اللاعبين أصحاب الأصول المغربية المنتشرين في أوروبا. كما أعادت القضية إلى الأذهان تجربة إبراهيم دياز، التي سارت في الاتجاه المعاكس تماما.
اقرأ أيضا: الهلال يتراجع خطوة في ملف كانسيلو.. وبديل محتمل من برشلونة
فبينما اختار دياز الدفاع عن ألوان المغرب، فضّل بيتارش مواصلة مشواره الدولي مع إسبانيا. وفي الحالتين، لم تعد مثل هذه القرارات تُحسم فقط بالعاطفة أو الجذور العائلية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بالمشاريع الرياضية وفرص التطور والحضور في البطولات الكبرى.
ورغم خسارة المغرب لهذا الملف، فإن التجربة أكدت أنه أصبح طرفا أساسيا في هذا النوع من المنافسات. فالجامعة الملكية (اتحاد كرة القدم) تحركت مبكرا، وقدمت مشروعا واضحا، واستثمرت مكانة المنتخب الحالية وطموحاته المستقبلية في محاولة إقناع اللاعب.
جيل بين هويتين.. هل يندم بيتارش؟
ربما يرى تياجو بيتارش أن مستقبله الكروي مرتبط بقميص إسبانيا، غير أن التاريخ يقدم أمثلة عديدة تحمل تحذيرا واضحا، كما حدث مع منير الحدادي الذي دفع ثمنا باهظا لاختياره المبكر.
بيتارش رغم موهبته الاستثنائية، قد يخسر الكثير باختياره هذا، إذ كانت أجواء المنتخب المغربي ستكفل له فرصة ذهبية للتألق في بداية مسيرته الدولية، حيث يحظى اللاعبون الشباب بثقة أكبر ودور أساسي أسرع مع أسود الأطلس.
وبينما فقد بيتارش فرصة واقعية للمشاركة مع إسبانيا في كأس العالم 2026 بسبب المنافسة الشديدة في “لا روخا”، وسوء مستوى الريال الذي لا يمثله أي لاعب محلي في قائمة لا روخا، سيخوض العديد من أقرانه هذه التجربة المونديالية في سن مبكرة، مثل المهاجم المكسيكي جيلبرتو مورا الأصغر في المونديال (17 عاما و240 يوما)، ومواطنه لامين يامال، والفرنسي وارين زائير إيمري (سان جيرمان) والمصري حمزة عبد الكريم (برشلونة ب) وغيرهم، الذين يجدون في منتخباتهم مساحة أرحب للظهور والتألق رغم صغر سنهم.
في النهاية، تبقى قصة بيتارش نموذجا جديدا لجيل يعيش بين هويتين وجنسيتين وقميصين. بعضهم يختار المغرب كما فعل إبراهيم دياز، وبعضهم يختار إسبانيا كما فعل هو، بينما يواصل آخرون التفكير حتى اللحظة الأخيرة.
وبين هذه الخيارات تستمر المنافسة على المواهب المزدوجة، مع بقاء الباب مفتوحا أمام أسماء جديدة ستجد نفسها يوما أمام السؤال ذاته: أي قميص سيمثل مستقبلهم؟
اقرأ أيضا: تأثير ماريسكا.. هل يخطف السيتي هدف برشلونة؟